المدير المؤذي: كيف تصنع بيئة العمل السامة شكًّا دائمًا في الذات؟

بيئة العمل السامة لا تُرهقك بالمهام فقط، بل تُقوّض ثقتك بنفسك تدريجيًا. في هذا المقال، نناقش كيف تُسهم أنماط الإدارة المؤذية في إنتاج شعور دائم بالشك في الذات، ولماذا لا يكون الأذى مسألة تحمّل شخصي أو ضعف فردي، بل مرتبطًا بسياق مهني غير صحي.

5 دقائق قراءة
المدير المؤذي: كيف تصنع بيئة العمل السامة شكًّا دائمًا في الذات؟

 هل تشعر، أو شعرت من قبل، بثِقل يجثم على صدرك مساء كل سبت؟ تلك الغصة التي تخبرك أن غدًا هو الأحد، وأن عليك العودة إلى الدوامة مجددًا.

يأتي الأحد، فتستيقظ صباحًا وأنت تشعر بالإرهاق قبل أن يبدأ يومك. ليس لأن المهام صعبة، بل لأنك تعلم أن هناك يدًا عليا تنتظرك لتمارس عليك نوعًا من الضغط النفسي المستمر، ضغط يستنزفك ويجعلك تَشُك يومًا بعد يوم في قدراتك. فيتحول العمل مع الوقت إلى مساحة ضغط نفسي، لا فرصة للنمو أو التعلم أو الازدهار.

هذا المقال لا يهدف إلى إقناعك بأن أداءك لا يحتاج إلى تطوير، فكلّنا نحتاج إلى التعلم والنمو باستمرار. كما أنه لا يسعى إلى خلط الأوراق بين المدير الحازم والمدير المؤذي، فالفارق بينهما كبير وواضح.

نقدّم لك هذا النص كدليل يساعدك على الانتباه لما يسمّيه علم النفس التنظيمي "القيادة السامة – Toxic Leadership"، بهدف دعمك في حماية صحتك النفسية إن كنت تعيش هذه التجربة، أو لمساعدتك على التنبّه مبكرًا لأنماط سلوكية سامة قد تواجهها مع مديرين في المستقبل.

-   كيف تصنع بيئة العمل السامة شكًّا دائمًا في الذات؟

كثيرون ممن يوجّهون لأنفسهم عبارات مثل: "المشكلة في، أنا حساس أكثر من اللازم"، أو "هكذا هي بيئات العمل في كل مكان"، يمارسون دون وعي شكلًا من أشكال الإنكار الهادئ (Quiet Denial)، وهو نمط نفسي دفاعي يُعاد من خلاله تطبيع تجربة العمل مع مدير مؤذٍ، بحيث يتحوّل الأذى الواقع عليهم تدريجيًا إلى شكّ دائم في ذواتهم وقدراتهم.

لكن الأرقام ترسم صورة مختلفة تمامًا. تشير دراسة موسعة من MIT Sloan إلى أن الثقافة السامة في بيئات العمل أقوى العوامل ارتباطًا بمعدلات الاستقالة، وأن تأثيرها كان أكبر من التعويضات المادية (الرواتب) بحوالي عشرة أضعاف.

هذا يساعدنا على وضع التجربة الفردية في سياقها الحقيقي: ما يبدو كتحمّل شخصي أو ضعف ذاتي، يرتبط بدرجة كبيرة ببيئة عمل مؤذية، مع الإقرار بأن استجابة الأفراد تتأثر أيضًا بعوامل أخرى، مثل الاختلافات الفردية، ومستوى الدعم الاجتماعي المتاح، والموارد النفسية لكل شخص.

والخطر الحقيقي هنا لا يكمن فقط في قرار ترك الوظيفة، بل في الأثر التراكمي لما يحدث لك وأنت ما زلت فيها. فالتعرّض المستمر لمدير يقلّل من شأنك قد يدفع الجهاز العصبي إلى حالة من الاستنفار المزمن، حيث يبقى الجسد في حالة استعداد دائم، وكأن تهديدًا وشيكًا قد يقع في أي لحظة.

هذا النمط من الاستنفار يشبه ما يُعرف في علم النفس بفرط التيقّظ (Hypervigilance)، بوصفه استجابةً لضغط عصبي مستمر في بيئة غير آمنة نفسيًا.

ومع الوقت، قد يسهم هذا الاستنفار المزمن في ظهور أعراض مثل الأرق المتكرر، أو اضطرابات هضمية، أو شعور دائم بالقلق والإجهاد، حتى في غير أوقات العمل.

-   كيف تعرف: هل هو قائد حازم أم مدير مؤذٍ؟

من المهم، وبتوصية من المختصين في علم النفس التنظيمي، ألّا نخلط بين الحزم المرتبط بمتطلبات العمل، وبين أنماط الإدارة التي تقوم على الأذى النفسي. فليس كل ضغط في بيئة العمل صحيًا، ولا كل مدير "صعب" يقدّم تجربة مهنية سليمة.

التمييز الأساسي هنا لا يتعلّق بدرجة الصرامة، بل بطبيعة العلاقة. هل يُستخدم الضغط لتوضيح التوقعات وتنظيم العمل؟ أم يُستخدم كأداة لإخضاع الأشخاص، وإضعاف ثقتهم بأنفسهم؟

في هذا السياق، يُستخدم مصطلح "القيادة السامة" لوصف نمط إداري يتّسم بسلوكيات هدامة ومستمرة، مثل الاستغلال، والتقليل من شأن المرؤوسين، وخلق مناخ نفسي ضار داخل بيئة العمل. وهي لا تُختزل في الحزم أو في وضع معايير أداء مرتفعة، بل في الطريقة التي يُمارَس بها النفوذ، وتأثيره النفسي طويل المدى على العاملين.

المدير المؤذي لا يُرهقك بكثرة المهام فقط، بل يخلط بين التقييم المهني والقيمة الشخصية، ويحوّل بيئة العمل إلى مساحة توتّر دائم، حيث يصبح الخوف وسيلة للإدارة بدل الوضوح والدعم.

فيما يلي بعض العلامات التحذيرية التي تشير إلى نمط إدارة مؤذٍ، خصوصًا عندما تتكرّر وتتحوّل إلى سلوك ثابت:

o التذبذب المزاجي: لا يعتمد المدير المؤذي تقييمه لك على جودة عملك، بل على حالته المزاجية. يوم يمدحك، ويوم آخر ينتقدك أو يقلّل منك دون سبب واضح، ما يضعك في حالة ترقّب دائم. وقد يظهر ذلك في افتراضه المسبق أن رأيك غير صائب، أو في مقاطعتك المتكرّرة أثناء الحديث، وكأن وجودك في النقاش شكلي لا فعلي.

o الإدارة المجهرية (Micromanagement):
يتدخل في أدق التفاصيل بشكل مرهق، لا بدافع الحرص على الجودة، بل نتيجة انعدام الثقة. غالبًا ما يُعيد صياغة أفكارك بطريقته، أو يطلب منك تنفيذ ما اقترحته أنت بعد أن يُسقط اسمك عنه، في رسالة ضمنية مفادها أن المبادرة لا تُحتسب إلا إذا خرجت منه.
ومع تكرار هذا السلوك، يبدأ الموظف في استبطان شعور غير معلن بعدم الكفاءة، أو بأن رأيه لا يحمل وزنًا حقيقيًا، حتى وإن كان أداؤه جيدًا وخبرته واضحة.

o السطو على الجهد: ينسب إنجازات الفريق، أو إنجازاتك الشخصية، إلى نفسه أمام الإدارة العليا، بينما يُسارع إلى تحميلك المسؤولية عند أول خطأ، حتى وإن كان خارج نطاق سيطرتك.

o الإصرار على النقد العلني: يختار توجيه النقد أمام الآخرين بدلًا من نقاش هادئ على انفراد، ما يحوّل الملاحظة المهنية من فرصة للتعلّم إلى إحراج شخصي، ويُقوّض الإحساس بالأمان داخل الفريق.

o العزل وتقويض التضامن: يسعى إلى تفكيك العلاقات داخل الفريق، إما بعزل الأفراد عن بعضهم، أو بخلق تحالفات وصراعات جانبية، بما يمنع أي شعور بالأمان الجماعي أو التضامن المهني.

ظهور سلوك واحد من هذه السلوكيات بشكل عابر لا يعني بالضرورة وجود إدارة مؤذية، لكن تكرارها واستمرارها، خاصة عندما تصيب أكثر من شخص، مؤشر يستحق التوقّف والانتباه.

في الجزء القادم من هذا المقال، ننتقل من الفهم إلى الحماية: كيف يؤثر هذا النمط من الإدارة على حياتك خارج العمل، وما الذي يمكنك فعله حين لا يكون الرحيل خيارًا فوريًا.

المزيد

يمكن تعجبك بعد

العمل مع مدير مؤذٍ: كيف تحمي نفسك في بيئة عمل غير آمنة نفسيًا حتى تجد مخرجًا آمنًا؟

العمل مع مدير مؤذٍ: كيف تحمي نفسك في بيئة عمل غير آمنة نفسيًا حتى تجد مخرجًا آمنًا؟

عندما لا يتوقّف أثر الإدارة المؤذية عند حدود العمل، يبدأ في التسلّل إلى الحياة اليومية والعلاقات والصورة التي نكوّنها عن أنفسنا. في هذا المقال، نتناول كيف يمتد هذا الأذى خارج المكتب، ونستعرض أدوات نفسية عملية لحماية الذات حين لا يكون الرحيل خيارًا فوريًا، من دون تطبيع الأذى أو التقليل من أثره.

من١٨ يناير ٢٠٢٦
اضطراب كرب ما بعد الصدمة: حين تبقى الذكرى حَيَّة

اضطراب كرب ما بعد الصدمة: حين تبقى الذكرى حَيَّة

قد تعود ذكرى مؤلمة عبر رائحة، أو صوت، أو موقف عابر، فتستيقظ مشاعر الخوف والألم كأنها تحدث الآن. يُفسر ذلك باضطراب كرب ما بعد الصدمة الذي يُبقي الذكريات حيَّة مهما طال الأمد. في هذا المقال، نتأمل كيف تعمل الصدمة، ولماذا تختلف استجاباتنا لها، وكيف يمكن للفهم والرفق والدعم أن يكونوا بداية لمسار التعافي.

صحة نفسيةمن١٢ نوفمبر ٢٠٢٥
تأثير بقعة الضوء: خدعة العقل التي تجعلك تشعر أن الجميع يراقبك

تأثير بقعة الضوء: خدعة العقل التي تجعلك تشعر أن الجميع يراقبك

هل مررتَ بموقف بسيط، ثم شعرت بعدها أن الأنظار كلها اتجهت إليك؟ أن تعيد التفكير في كلمة قلتها، أو حركة فعلتها، وتتساءل إن كان الآخرون قد لاحظوها أكثر مما ينبغي؟ هذه التجربة شائعة أكثر مما نتصور، ويفسرها علم النفس بـ“تأثير بقعة الضوء”. في هذا المقال، نتعرف أكثر على بقعة الضوء، ونتأمل كيف يميل عقلنا أحيانًا إلى تضخيم حضورنا في وعي الآخرين.

من١٥ ديسمبر ٢٠٢٥