اضطراب كرب ما بعد الصدمة: حين تبقى الذكرى حَيَّة
قد تعود ذكرى مؤلمة عبر رائحة، أو صوت، أو موقف عابر، فتستيقظ مشاعر الخوف والألم كأنها تحدث الآن. يُفسر ذلك باضطراب كرب ما بعد الصدمة الذي يُبقي الذكريات حيَّة مهما طال الأمد. في هذا المقال، نتأمل كيف تعمل الصدمة، ولماذا تختلف استجاباتنا لها، وكيف يمكن للفهم والرفق والدعم أن يكونوا بداية لمسار التعافي.

ربما ترى صورة، أو تشم رائحة معينة، فتستدعي أحداثًا مؤلمة وتعيشها من جديد، بمشاعر -وربما آلام- قريبة مما عشتها آنذاك. قد يحدث ذلك بعد تعرضك أو مشاهدتك لحدث ما يهدد سلامتك النفسية أو الجسدية أو كليهما معًا، أو سماعك عن تفاصيل مثل ذلك الحدث بشكل متكرر. عندها، ربما تعاودك ومضات ذهنية (flashbacks) مما وقع أو تشعر بالخوف أو القلق أو العار المستمر مع تغير تفكيرك ومزاجك للأسوأ. ربما يعاني من يتكرر لديهم هذا النمط من الأرق وتتوه عنهم تفاصيل والتزامات مهمة، كما يميلون لتفادي الحديث عن مواضيع محددة، أو مع أشخاص بعينهم. ليست هذه التجارب بمعزل عن بعضها، وليست محض مصادفات، بل قد تكون صدى لحدثٍ قديم يرفض الرحيل عن العقل والجسد. هذا ما يُعرَف باضطراب كرب ما بعد الصدمة (post-traumatic stress disorder).
تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن ما يقرب من ٧٠٪ من الأشخاص قد يتعرضون خلال حياتهم لمواقف يُحتمل أن تكون صادمة، إلا أن نسبة محدودة جدًا منهم، تُقدَّر بنحو ٥٫٦٪، قد يتطور لديهم الأمر إلى "اضطراب كرب ما بعد الصدمة". يؤكد مختصون في علم النفس أن ظهور أعراض نفسية عقب التعرض لحدث صادم يُعد استجابة طبيعية في حد ذاته، غير أن العامل الحاسم الذي يستدعي الانتباه هو "استمرارية" هذه الأعراض لفترات زمنية طويلة.
في الحالات الطبيعية، يتمكن المخ بمرور الوقت من معالجة الحدث الصادم ودمجه ضمن الذاكرة بوصفه تجربة انتهت ومضت، وهو ما يسمح بانحسار حدة المشاعر المرتبطة به بشكل تدريجي. أما في حالة اضطراب كرب ما بعد الصدمة، يتعطل هذا المسار؛ إذ يعجز الدماغ عن "أرشفة" الحدث كذكرى ماضية ومنتهية.
نتيجة لذلك، قد يلجأ الدماغ إلى أحد مسارين دفاعيين: إما حجب التجربة الصادمة بالكامل عن الوعي، فيما يُعرف بالنسيان الدفاعي، أو استحضارها بصورة قسرية ومكثفة عند التعرض لأي محفز بسيط يشبه الحدث الأصلي، وكأن التجربة تتكرر من جديد. تشير الدراسات إلى أن وقوع الصدمة في سن مبكر يزيد من حدَّة تأثيرها واستمراريته، إلى درجة قد تُربك أو تعيق مسار النمو النفسي الطبيعي لدى الطفل.
كثيرًا ما يُختزل معنى الصدمة في صور الدمار والأحداث الجسيمة، رغم أن مصادرها قد تكون أقرب وأبسط مما نتصور. فالصدمة لا تُقاس بضخامة الحدث في حد ذاته، بل بعمق الأثر الذي يتركه في النفس. قد تنشأ الصدمة عن تجربة واحدة مفاجئة، مهما بدا حجمها محدودًا للآخرين، كما قد تتكوّن عبر سلسلة من التجارب المتكررة، مثل التعرض المستمر للاعتداء أو التنمر في المدرسة أو العمل، أو العيش لفترات طويلة في بيئة منزلية غير آمنة.
المشترك بين هذه التجارب، على اختلاف أشكالها، هو الآلية النفسية ذاتها: فعند التعرض لمحفز بسيط، كرائحة أو صوت أو مكان، قد يعود الإحساس بالألم والخوف وانعدام الأمان بالحدة نفسها، كأن التجربة تُعاد في اللحظة الراهنة وللمرة الأولى. وغالبًا ما يلجأ من يعاني من اضطراب كرب ما بعد الصدمة لآلية التجنب (avoidance) كوسيلة دفاعية من أجل ضمان عدم التعرض لأي محفزات ذهنية أو سلوكية تعيد إحياء الذكرى الحيَّة التي تسكن داخلنا، سواء كنا واعين بذلك أم لا.
قد يراود البعض سؤال مؤلم: لماذا أثرت هذه التجربة فيّ بهذا العمق، بينما مرّ آخرون بظرف مشابه وتمكنوا من المضي قدمًا؟
والحقيقة، أنه من المهم أن ندرك أن استجابة الإنسان للصدمة ليست واحدة، ولا يمكن قياسها بمعيار موحد. فالتأثر بالصدمة تجربة شديدة الخصوصية والشخصية، ولا يدل بأي حال على ضعف في الشخصية أو قصور في القدرة على التحمل. بل يتشكل هذا التأثر نتيجة تداخل عوامل متعددة، قد يكون من أبرزها التاريخ العائلي مع الاضطرابات النفسية، والتركيبة البيولوجية للدماغ وطريقة تعامله مع التوتر، إضافة إلى جودة البيئة المحيطة، ويُعد الدعم الاجتماعي القوي أحد العوامل الوقائية المهمة في سياق التعامل مع الصدمة، لما له من دور في دعم التكيف النفسي والحد من خطر تطور اضطراب كرب ما بعد الصدمة.
وعندما لا تُعالَج الصدمة أو تُفهَم على نحو صحيح، قد تمتد آثارها لتشمل اضطرابات مثل الاكتئاب والقلق، أو سلوكيات إدمانية بوصفها محاولات غير واعية لتخفيف الألم، وقد تصل أحيانًا إلى أفكار قاتمة تجاه الذات أو الحياة. في هذا السياق، يصبح اللوم الذاتي عبئًا إضافيًا لا يخدم التعافي، بل يفاقم المعاناة بدل أن يخففها.
حين تمتد هذه الأعراض لتؤثر في جودة الحياة اليومية، يصبح تجاهلها أو إنكارها عبئًا إضافيًا. فالهروب لا يخفف الألم، والمواجهة القاسية قد تزيده، أما المواجهة الرحيمة فهي البداية الحقيقية لمسار التعافي.
وانطلاقًا من هذا الفهم، يقترح المختصون مجموعة من الخطوات الأساسية التي تساعد على التعامل مع اضطراب كرب ما بعد الصدمة واستعادة قدر من التوازن النفسي.
١. طلب المساعدة المتخصصة: وهو حجر الأساس في رحلة التعافي. تساعد العلاجات النفسية الحديثة على فك الارتباط الشرطي بين المحفّزات اليومية وذكريات الصدمة، وتساعد في المعالجة الذهنية لذكريات الصدمة بطريقة آمنة، بحيث تتحول من مصدر تهديد إلى مجرد ذكرى.
٢. العناية بالجسد: فالعقل والجسد وحدة واحدة. اتباع نظام غذائي متوازن، وممارسة النشاط البدني بانتظام، والحفاظ على عادات نوم صحية، كلها عوامل تدعم القدرة النفسية وتحسّن الاستجابة للعلاج.
٣. شبكة الدعم: تجنّب العزلة قدر الإمكان. البقاء على تواصل مع أشخاص تثق بهم وطلب دعمهم عند الحاجة جزء أساسي من عملية التعافي، إذ إن التواصل الإنساني يخفف العبء ويعزز الشعور بالأمان.
٤. الرفق بالذات: خاطب أفكارك بتفهّم ورحمة. أنت لست مكسورًا، بل تمرّ برحلة تعافي تحتاج إلى وقت وصبر. لا تتعجّل النتائج؛ فالتعافي ليس سباقًا، بل مسار نتعلّم خلاله الكثير عن قوتنا ومرونتنا.
ما تُذكرك به صفاء
قد تترك الصدمة ندبة عميقة، لكنها لا تختزل هويتك، ولا تُلغي قدرتك على العيش أو التعافي. ما تمرّ به مفهوم، واستجابتك ليست خطأ، ولا دليلًا على ضعفك. التعافي ليس نسيانًا قسريًا، ولا تجاوزًا سريعًا للألم، بل مسارًا تدريجيًا يقوم على الفهم، والرفق، والدعم المناسب. وهو مسار يختلف من شخص إلى آخر، ويحتاج إلى وقت وصبر، لا إلى قسوة أو استعجال.
لست مضطرًا لخوض هذه الرحلة وحدك. قد يبدو الطريق طويلًا أحيانًا، لكنه قابل للعبور، خطوة بخطوة، وبإيقاعك أنت. وكل خطوة نحو الفهم والاحتواء، مهما بدت صغيرة، هي خطوة حقيقية نحو قدر أكبر من الطمأنينة والسلام الداخلي.


