الكمالية: لماذا لا نشعر بالرضا أبدًا مهما أنجزنا

هل تشعر أن إنجازاتك لا تكفي أبداً؟ هل تنتظر (اللحظة المثالية) للبدء ولا تأتي؟ احذر قد تكون عالقًا في فخ (الكمالية السلبية). في هذا المقال، نكشف لك الخيط الرفيع بين الطموح الصحي وبين الهوس المرضي بالكمال الذي يهدد نجاحك، ونقدم لك خطوات عملية للتحرر من تلك المعايير العنيدة التي تحبسك داخل دائرة مفرغة من اللاشيء.

6 دقائق قراءة
الكمالية: لماذا لا نشعر بالرضا أبدًا مهما أنجزنا

"ما زاد عن حده، انقلب إلى ضده".. هذه الحكمة التي نشأنا جميعاً عليها لا تزال صالحة لكل زمان ومكان.

في عالم اليوم السريع الإيقاع و المليء بالضجيج، يزداد هذا الصخب بفعل ضغط المقارنات المستمر على منصات التواصل الاجتماعي، التي تصدّر لنا صوراً عن "الحياة المثالية " و"النجاح المثالي" الخالي من العيوب. يكفي أن تقضي بضع دقائق على لينكد إن لتشعر بخيبة أمل وكأنك لم تحقق شيئاً بعد، نتيجة سيل الإنجازات المهنية التي لا يعرف أحد حقيقتها. والأمر ذاته يحدث على إنستغرام، حيث يبدو الجميع في حالة سعادة أبدية، يلتقطون أجمل الصور، وكأن الطاقة السلبية لا طريق لها إلى حياتهم.

شيئاً فشيئاً، بدأنا نضع لأنفسنا معايير قاسية في العمل والمظهر وحتى في أدق تفاصيل حياتنا اليومية، اعتقاداً بأن الوصول إلى الكمال هو السبيل الوحيد للسعادة. أصبح السعي للكمال حاضراً في كل شيء، بدءاً من عاداتنا اليومية في الطعام والملبس، وصولاً إلى الأداء الوظيفي وإنجاز المهام.

إن الكمالية لا تعني بالضرورة أن تكون "كاملاً". قف لحظة واسأل نفسك... ما هو الكمال؟ هل بالإمكان أن أكون كاملًا؟ وهل يوجد أصلًا كمال؟

لم يتمكن الباحثون من الاتفاق على تعريف مشترك للكمالية، لكننا سنميزها بثلاثة سمات رئيسية:
١. السعي المستمر لتحقيق معايير عالية للغاية (لنفسك و/أو للآخرين) وغالبًا ما تكون مرهقة جدًا، وعادةً ما يرى الآخرون أن هذه المعايير غير واقعية في ظل الظروف. أحياناً يُشار إلى هذه المعايير بـ "المعايير العنيدة - Unrelenting Standards".
٢. الحكم على قيمة الذات بناءً على القدرة على تحقيق هذه المعايير العنيدة.
٣. التعرض لعواقب سلبية بسبب وضع هذه المعايير المرهقة، ومع ذلك الاستمرار في السعي لتحقيقها رغم تكلفتها الهائلة على الشخص.

ربما نتفق جميعاً على أن وضع معايير عالية قد يكون خطوة مهمة نحو التطور؛ فالأهداف الطموحة تمنح لحياتنا اتجاهاً واضحًا وتدفعنا لبذل أفضل ما لدينا. لكن عندما تصبح هذه الأهداف إما مستحيلة التحقيق أو لا يمكن تحقيقها إلا بثمن باهظ، يصبح من الصعب جدًا أن نشعر بالرضا عن أنفسنا. عند هذه النقطة، يمكن أن تتحول الكمالية من دافع إلى عبء، وتصبح مشكلة حقيقية تؤثر على تقديرنا لذاتنا وعلى جودة حياتنا.

عندما يتحول هذا السعي إلى هوس، نقع فيما يُعرف بـ النزعة الكمالية (Perfectionism)، وهي ليست مجرد رغبة في تحسين الذات، بل ميل قهري نحو معايير يستحيل تحقيقها. وهنا يبرز السؤال الجوهري: متى يتحول الاجتهاد والطموح إلى عبء ينهكك ويستنزف طاقتك، بدلاً من أن يدفعك للتقدم؟

١. جذور النزعة الكمالية: من أين يبدأ الهوس بالكمال؟

لفهم الشخصية الكمالية، لا يكفي أن ننظر إليها بوصفها حباً للنظام أو دقة في الأداء، فهذه الصفات من المفترض أن تكون إيجابية في سياقات كثيرة. لكن الكمالية تنشأ عادة من دوافع نفسية أعمق، تُرسخ لدى الفرد اعتقاداً بأن قيمته ترتبط بمدى قربه من الكمال. وتشير الأدبيات النفسية إلى عاملين رئيسيين يمكن أن يفسرا هذا الميل:

  • الحاجة إلى السيطرة والشعور بالأمان: يميل الإنسان بطبيعته إلى الخوف من المجهول وعدم التيقن. حين يشعر الإنسان أن العالم الخارجي غير مُطمئن أو غير قابل للتوقع، يلجأ بعض الأشخاص إلى محاولة "التحكم" المفرط في تفاصيل حياتهم. تشير "الأبحاث والدراسات العلمية "أن الكمالية هنا آلية دفاعية تشبه درعاً نفسياً: كلما أحكم السيطرة على أدائه ومظهره ونتائجه، شعر بطمأنينة أكبر، وكأن التحكم الصارم يمنع حدوث الأخطاء ويقلل من المفاجآت.
    المشكلة أن الشخص إذا وصل لما يعتقده كمالاً، فإنه سوف يشعر بالأمان مؤقتاً، ثم سرعان ما يستدعي مستويات أعلى من التحكم مع كل تجربة جديدة، ما يجعل الشخص عالقاً في دائرة مُفرغة لا تنتهي.
  • الحاجة إلى القبول وتجنب الرفض: السبب الثاني الذي ترجعه الدراسات العلمية قد يكون أكثر خفاءً، وربما أكثر ألماً. فالأشخاص الذين لم يتلقوا في طفولتهم حباً وقبولاً غير مشروطين، أو تعرضوا لنقد متكرر وتهوين من قدراتهم، قد ينشأ لديهم اعتقاد جوهري يقول: "حتى يحبني من حولي، يجب أن أكون بلا خطأ". فتصبح الكمالية طريقة لتجنب الإحساس بالرفض أو النقص، لا رغبة في الإنجاز ذاته.

٢. الخيط الرفيع: بين الطموح الصحي والكمالية السلبية

إن السعي لتطوير الذات وتحسين الأداء حتى يصل الشخص إلى أفضل ما يمكن أن يصل إليه أمر محمود ومطلوب، وهو ما يمكن اعتباره نزعة صحية تدفع نحو التعلم والإنجاز وترسخ الشعور بالثقة. لكن هناك فرقاً دقيقاً يفصل بين هذا الطموح المشروع وبين الكمالية السلبية، التي تفرض معايير صارمة لا يمكن بلوغها لعدم واقعيتها.

ولنعي جيدًا أنه بدون أي معيار عادة ما يحقق الناس نتائج أقل، لذا فإننا نؤكد أن وجود معايير ليس شيئًا سيئًا. لكن علينا أن نتذكر أن ثمة فرق كبير بين المثابرة الصحية للإحسان والسعي السام للكمال.

تظهر المشكلة عندما يتحول السعي للكمال من وسيلة للتحسن إلى عبء يعرقل التقدم، ويظهر ذلك في صورتين شائعتين:

  • تأجيل أو تعطيل إنجاز المهام بسبب الانشغال المفرط بالتفاصيل الدقيقة التي لا يلاحظها أحد غيرك.
  • الوقوع فيما يُعرف بـ "شلل التحليل"، عندما يصبح الخوف من عدم الوصول إلى نتيجة كاملة عائقاً يمنعك من البدء أصلاً، أو يجعلك تنتظر "اللحظة المثالية" التي قد لا تأتي أبداً.

عند هذه النقطة، يتحول السعي وراء النجاح من دافع إيجابي إلى شبح الكمالية، فيصبح عقبة تعطل حياتك وتستهلك وقتك وجهدك دون طائل.

٣. الثمن النفسي للسعي نحو الكمال

مفارقة الكمالية - Perfectionism Paradox: أحيانًا يمكن لدافع القيام بعمل بشكل كامل أن يضعف الأداء فعليًا. إنها فكرة غريبة، أن وجود معايير عالية جداً والعمل بجد لتحقيقها يمكن أن يجعل الأمور أسوأ... هذا ما يُعرف بمفارقة الكمالية!

أشارت دراسة نُشرت عام ٢٠١٩ إلى وجود ارتباط وثيق بين سمات الكمالية واضطرابات تنظيم المشاعر Emotional Dysregulation. وبصيغة أوضح: كلما ازداد انشغال الشخص بالسعي نحو الكمال، تراجع قدرته على التعامل مع مشاعره بمرونة، لتصبح ردود أفعاله أكثر حدة وغير متوازنة مع حجم المواقف الحياتية.
هذا النمط من التفكير لا يمر دون تكلفة نفسية، إذ يقود غالباً إلى:

  • القلق المستمر: خوف دائم من الوقوع في أبسط الأخطاء، أو نسيان أدق التفاصيل، وكأن أي هفوة تهدد قيمته الشخصية.
  • الهوس بالنظام والدقة: الاستغراق المبالغ فيه في التفاصيل الصغيرة، مع تجاهل حقيقة أن الخطأ جزء طبيعي من التجربة الإنسانية.
  • الضغط الاجتماعي: لا تتوقف الكمالية (السلبية) عند حدود الفرد، بل تمتد لتطال الآخرين من حوله، فُيحمِّل الأسرة أو الزملاء توقعات ومعايير يصعب تحقيقها، مما يخلق توتراً في العلاقات ويزيد من شعور الشخص بالعزلة.

٤. كيف تتحرر من فخ الكمالية؟

نسعى جميعاً للنجاح، لكن في رحلتنا نحو الإنجاز، لا يجب أن نقسو على أنفسنا.
علينا أن نتذكر أننا بشر، نخطئ ونُصيب. لذا، إليك خطوات عملية تساعدك على تفادي آثار الكمالية (السلبية/الضارة):

  • تقبّل مشاعرك: لا تقاوم القلق ولا تنكره؛ اعترف به وافهم مصدره.
  • كن واقعياً: ضع لنفسك وللآخرين أهدافاً قابلة للتحقيق وفق معطيات واقعية، لا وفق صورة مثالية لا وجود لها.
  • جزّء المهام: قسّم المهام الكبيرة إلى خطوات صغيرة يسهل تنفيذها، بدلاً من مواجهتها دفعة واحدة والشعور بالعجز.
  • الخطأ فرصة للتعلم: تقبل أن الخطأ جزء طبيعي من أي تجربة، ودليل على أنك تحاول، لا دليلاً على الفشل.
  • ناقش أفكارك: اسأل نفسك عن الدافع الحقيقي وراء رغبتك في الكمال، وكن منصفاً ولطيفاً مع نفسك أثناء الحكم على أدائك.
  • سيناريو "أسوأ الاحتمالات": تساءل: ما أسوأ ما قد يحدث لو أخطأت؟ ثم ضع خطة للتعامل معه. غالباً ستكتشف أن ما تخشاه أقل بكثير مما تتصوره.

ما تُذكِّرك به صفاء
إذا شعرت أن السعي نحو الكمال يستهلك طاقتك ويمنعك من الاستمتاع بحياتك، لا تتردد في طلب المساعدة من مختصين. في صفاء، نؤمن أن التوازن هو مفتاح الصحة النفسية، وأنك تستحق أن تعيش بسلام بعيداً عن ثقل جلد الذات.
تذكّر أن الرفق بالنفس ليس ضعفاً، بل بداية التعافي. صحتك وراحتك أثمن من مطاردة كمالٍ كسرابٍ لا وجود له.
نتمنى لكم جميعاً السلامة والعافية.

المزيد

يمكن تعجبك بعد

اضطراب كرب ما بعد الصدمة: حين تبقى الذكرى حَيَّة

اضطراب كرب ما بعد الصدمة: حين تبقى الذكرى حَيَّة

قد تعود ذكرى مؤلمة عبر رائحة، أو صوت، أو موقف عابر، فتستيقظ مشاعر الخوف والألم كأنها تحدث الآن. يُفسر ذلك باضطراب كرب ما بعد الصدمة الذي يُبقي الذكريات حيَّة مهما طال الأمد. في هذا المقال، نتأمل كيف تعمل الصدمة، ولماذا تختلف استجاباتنا لها، وكيف يمكن للفهم والرفق والدعم أن يكونوا بداية لمسار التعافي.

صحة نفسيةمن١٢ نوفمبر ٢٠٢٥
تأثير بقعة الضوء: خدعة العقل التي تجعلك تشعر أن الجميع يراقبك

تأثير بقعة الضوء: خدعة العقل التي تجعلك تشعر أن الجميع يراقبك

هل مررتَ بموقف بسيط، ثم شعرت بعدها أن الأنظار كلها اتجهت إليك؟ أن تعيد التفكير في كلمة قلتها، أو حركة فعلتها، وتتساءل إن كان الآخرون قد لاحظوها أكثر مما ينبغي؟ هذه التجربة شائعة أكثر مما نتصور، ويفسرها علم النفس بـ“تأثير بقعة الضوء”. في هذا المقال، نتعرف أكثر على بقعة الضوء، ونتأمل كيف يميل عقلنا أحيانًا إلى تضخيم حضورنا في وعي الآخرين.

من١٥ ديسمبر ٢٠٢٥
الملل: سلاح ذو حدين

الملل: نهرب منه.. وقد يصنع عبقريتنا

في تجربة علمية شهيرة نُشرت في مجلة ساينس (Science)، خُيِّر عدد من المشاركين بين خيارين لا ثالث لهما: إما الجلوس في غرفة فارغة بصمت تام لمدة ١٥ دقيقة، أو تلقي "صعقة كهربائية خفيفة" لكسر هذا الصمت. والمفاجأة... كانت النتيجة: ٦٧% من الرجال و٢٥% من النساء فَضَّلوا أن يُصعَقوا بالكهرباء بدلًا من البقاء مع أفكارهم بمفردهم.تكشف هذه الدراسة جانبًا مقلقًا من طبيعة الإنسان في العصر الحديث: نحن نهرب من الملل وكأنه عدو، ونبحث عن أي محفز خارجي، مهما كان بسيطًا أو حتى مؤلمًا، لنشغل به أنفسنا، ونتجنب الجلوس مع دوّامات أفكارنا بمفردنا.

من١٢ نوفمبر ٢٠٢٥