المعالجون المنسيون: تاريخ العلاج النفسي الذي لم يُروَ
قبل أن تُسمّى المعاناة النفسية اكتئابًا أو قلقًا، وقبل أن يظهر مصطلح "العلاج النفسي" بقرون، كان أطباء في بغداد وبلخ ودمشق يجلسون إلى مرضاهم ليسألوا عن أفكارهم قبل أعراضهم، وعن أحزانهم قبل نبضهم. في حضارات قديمة، لم تكن النفس هامشًا، بل قلب الطب، ولم يكن الخوف وصمة، بل حالة تُفهم وتُشخَّص وتُعالَج. في هذا المقال، يعود بنا المختص ريان الجهني إلى جذور العلاج النفسي عبر أعمال أبي زيد البلخي، والرازي، وابن سينا، لنكتشف كيف وُلدت مفاهيم تبدو "حديثة" داخل الحضارة الإسلامية قبل ألف عام، وكيف طُمِس هذا الإرث مع الزمن، قبل أن يُعاد تقديمه للعالم بأسماء جديدة. "المعالجون المنسيون" رحلة في تاريخٍ لم يُروَ كما ينبغي، تكشف أن فهم النفس كان يومًا جزءًا أصيلًا من ثقافتنا الطبية والإنسانية.

كتابة: ريان الجهني
في بغداد، وفي أحد أروقة البيمارستان (مصطلح فارسي يعني "دار المرضى" ويشير إلى المكان الذي تشمل خدماته العلاج والبحث العلمي وتدريس الطب)، يمشي شاب يرتجف قليلًا وهو يضم عباءته إلى صدره. لم يأتِ بسبب حمى، ولا جرح ظاهر، بل بسبب ثِقلٍ يضغط على صدره منذ شهور يمنعه من النوم، وخوفٍ لا يعرف له سببًا واضحًا.
يدخل إلى قاعة فسيحة تتدلى فيها قناديل الزيت، ويقابل الطبيب الذي يسأله قبل أن يفحص النبض أو الضغط أو أي علامات حيوية:
- منذ متى يزورك هذا القلق؟ متى يشتد عليك؟ وما الأفكار التي تلاحقك حين يشتد؟
يتحدث الشاب عن وساوس تطارده، عن حزنٍ يستيقظ معه، وعن خوفٍ من المستقبل لا يستطيع أن يشرحه لأحد. ينصت الطبيب بهدوء، ويتفهم، ويدون ملاحظاته.
هذا المشهد الذي كثيرًا ما يحدث في العيادات الحديثة هذه الأيام، يمكن أن نتخيله في أحد المستشفيات الإسلامية القديمة في بغداد أو بلخ، قبل أن يولَد سيجموند فرويد، الذي سُمِّي لاحقًا بأبي التحليل النفسي (The Father of Psychoanalysis) بقرون طويلة.
في حقبة الحضارة الإسلامية، وعلى عكس ما يعتقد البعض، كان الحديث عن الخوف والحزن والوساوس معترفًا به، بل كان جزءًا من الطب، لا سببًا للوصم، ولا حقلًا للخرافة. بالرغم من ذلك، لم يكن العلاج النفسي حينها علمًا كما هو الحال اليوم، لكن كان ممارسة يومية يجريها الأطباء وهم يراقبون الأنفس بذكاء وفضول، فطوَّروا أساليب تشبه كثيرًا التي تستخدم في وقتنا الحاضر في العيادات. من بين هؤلاء الأطباء برزت أسماء مثل أبي زيد البلخي، والرازي، وابن سينا، الذين لم يكتفوا بوصف الاضطراب النفسي، بل حاولوا أن يبتكروا طرقًا عملية للتخفيف منه وفهم جذوره.
أبو زيد البلخي: أول من ربط الفكر بالصحة النفسية

في القرن الثالث الهجري، كان أبو زيد البلخي، الطبيب والعالم الموسوعي الذي قدَّم تصورًا لافتًا عن الاضطرابات النفسية في كتابه "مصالح الأبدان والأنفس"، وهو نص استثنائي في تاريخ العلوم الطبية، لأنه لم يكتف بوصف الاعتلالات النفسية (كما سمَّاها) أو الحكم عليها، بل حاول فهمها بوصفها حالات يمكن تحليلها ومعالجتها. فرَّق البلخي بدقة بين أنماط مختلفة من المعاناة النفسية؛ فميَّز بين الاكتئاب العارض والاكتئاب المرضي، وبين الوسواس القهري والقلق، وبين الخوف الطبيعي والفوبيا (الخوف المبالغ فيه.) ولم يكن هذا التفريق اللغوي ترفًا نظريًا، بل كان خطوة لبناء تدخلات علاجية موجهة لكل حالة حسب طبيعتها. وفي ذلك كان يسبق ما نعرفه اليوم بالعلاج المعرفي السلوكي Cognitive Behavioral Therapy (CBT) بأكثر من ٩٠٠ عام.
لم ينشغل البلخي بإسداء النصائح الدينية أو الفلسفية، بل آمن أن النفس يمكن تدريبها مثل الجسد، وأن جزءًا من علاجها يقوم على فهم الأفكار التي تغذي الاضطرابات النفسية وتنشيط الممارسات اليومية التي تضعف حدته. لذلك اقترح مزيجًا من التدخلات الفكرية والسلوكية؛ مثل إعادة توجيه الانتباه عند تشكل الأفكار الوسواسية، ومناقشة المعتقدات السلبية بدلًا من التسليم لها، وتنظيم الأنشطة اليومية لمنع اجترار الأفكار، والمواجهة التدريجية للمخاوف. نجد اليوم هذه المفاهيم والممارسات في صميم النماذج الحديثة للعلاج المعرفي السلوكي.
الرازي: تشخيص المعاناة وأول خطوة في طريق الطب النفسي الحديث

كان أبو بكر الرازي رائدًا في نقل الاهتمام بالنفس من مستوى التصورات النظرية إلى الممارسة العيادية المنظمة داخل مؤسسات طبية حقيقية. لم ينكر الاضطراب النفسي ولم يعتبره انحرافًا أخلاقيًا أو حالة غيبية، بل اعترف به كحالة مرضية تستوجب رعاية متخصصة. لذلك أسس أول مكان مخصص لعلاج المرضى النفسيين (يوازي ما نعرفه اليوم بأقسام الصحة النفسية في المستشفيات). ودعا إلى التعامل مع معاناتهم بمنهج علمي قائم على التشخيص الدقيق والتدخل المدروس، وليس بالعزل أو العقاب أو الإقصاء. أدرك الرازي مبكرًا أن فهم المريض يبدأ من مراقبة انفعالاته وظروفه، لا من افتراضات مسبقة عنه، فدرب الطواقم الطبية على مراعاة الحالة النفسية كما تُراعى العلامات الجسدية، واضعًا بذلك أساسًا لممارسة سريرية مركزة على الإنسان وليس على المرض وحده.
لم يقتصر دور الرازي على إنشاء أماكن الرعاية المختصصة، فقد طور منهجًا بحثيًا واضحًا في التعامل مع الاضطرابات النفسية. حرص على تسجيل الأعراض وتطورها، واستخدم مصطلحات وتصنيفات دقيقة للحالات، في ممارسة تشبه ما نعرفه اليوم من سجلات طبية حديثة. ويُعد أول الأطباء الذين وثقوا مبكرًا نوبات الهوس Manic Episodes بوصفها حالة مرضية. كان هذا السبق المعرفي لافتًا في زمن لم تكن فيه الاضطرابات النفسية تُفهم بوصفها حالات قابلة للتشخيص والتفريق الإكلينيكي، ما يجعل الرازي بحق سابقًا لعصره في إدراك الفروق الدقيقة بين أنماط السلوك والانفعال، واستشراف مفاهيم أساسية ستشكل لاحقًا عماد الطب النفسي الحديث.
وما يستحق أن يُؤخَذ عن الرازي، أنه شدد على أهمية وضرورة توفير بيئة علاجية آمنة كشرط أساسي للتعافي، مؤمنًا بأن الطبيب الذي يعالج الجسد دون الانتباه للنفس يفقد نصف أدوات الشفاء. وبذلك قدم نموذجًا يدمج الرحمة بالعلم والملاحظة بالتدخل، ليعيد تعريف الرعاية النفسية بوصفها عملاً طبيًا منضبطًا يتعامل مع الإنسان في كليته، لا مجرد استجابة عابرة لأعراض سطحية. وبذلك يمكن وصف أبي بكر الرازي بأنه أول من وضع حجر الأساس للطب النفسي السريري.
ابن سينا: أبو الطب النفس-جسدي، وأول من ربط النفس بالجسد

قدم ابن سينا واحدًا من أكثر النماذج نضجًا في فهم العلاقة بين النفس والجسد، جامعًا بين المعرفة الطبية والفلسفة والمنطق، فأسس تصورًا شموليًا لا ينظر إلى الإنسان كأعضاء منفصلة، بل كنسق متداخل تتفاعل فيه الأفكار والعواطف والعمليات الحيوية. في موسوعته الشهيرة "القانون في الطب"، لم يكن الحديث عن الاضطرابات النفسية ملحقًا ثانويًا أو توصيفًا أخلاقيًا، بل جزءًا أصيلًا من بنية طبية ترى أن اختلال المزاج قد يغير مسار الأمراض العضوية، وقد يتسبب في علة الجسد أو شفائه. سبق ابن سينا بفكره إلى أن الانفعالات يمكن أن تُحدث أعراضًا جسدية صريحة، في مقاربة تشبه تمامًا ما يُعرف اليوم بالاضطرابات النفس-جسدية (Psychosomatic Disorders)، التي تربط بين التوتر والانفعال وبين أمراض مثل القولون العصبي، والصداع المزمن، وخفقان القلب.
والمفارقة المدهشة أن كثيرًا مما يُسوَّق اليوم كاتجاهات "حديثة" في الصحة النفسية كان ابن سينا قد أشار إليه عمليًا قبل ألف عام؛ فقد تناول العواطف بوصفها قوى تشكل الإدراك وتوجه السلوك، كما قدم وصفًا دقيقًا لاضطرابات تشبه ما ندرسه اليوم، وصف الهوس (Mania) ودرجاته وأنه نُوابي بطبيعته (يتكرر بشكل دوري). وكان أول من أشار لوجود حالات مختلطة (Mixed states) نوبات تجمع بين أعراض الاكتئاب والهوس في آنٍ واحد. كما وصف الوسواس القهري والكآبة المصحوبة بالقلق أو الملنخوليا كما أسماها.
لم تكن تلك الممارسات عند ابن سينا طقوسًا روحية، بل أدوات علاجية تستند إلى فهم دقيق لوظائف النفس والجسد، وتستهدف إعادة بناء توازن الإنسان الداخلي. هكذا وسع ابن سينا حدود الطب ليصبح علمًا يهتم بالإنسان في كليته، وأرسى قواعد مقاربة علاجية أدركت مبكرًا أن الشفاء النفسي لا ينتج عن كلمة أو دواء فقط، بل عن بيئة تُهيَّأ لاستعادة العقل لقدرته على العمل والتنظيم والتعافي.
حين توقف الزمن: بداية نسيان العالم للأطباء والمعالجين الأوائل
لم تدم هذه المرحلة المشرقة؛ فمع التحولات السياسية والاقتصادية والاضطرابات التي أصابت مراكز العلم في العالم الإسلامي، بدأ الاهتمام بالبحث الطبي المنهجي يتراجع تدريجيًا، وتقلصت مساحات الاجتهاد العلمي المستقل. انحسر دور البيمارستانات، وتراجعت مكانتها بوصفها مؤسسات للعلاج والتعليم والتجريب، وأصبح التعامل مع الاضطرابات النفسية أقرب إلى الإنكار أو التفسير الغيبي منها إلى الفحص السريري. انتكس العالم واتجه إلى ممارسات مظلمة وظالمة في التعامل مع المرض النفسي، فأصبح المرضى يُسجنون، ويُعزلون، ويعاقبون جسديًا.
ومع مرور الزمن، اختفت ممارسات البلخي والرازي وابن سينا، وصار الإرث النفسي الطبي جزءًا من مخطوطات محفوظة، لا أدوات معرفية تستأنف مهمتها. لم يكن هذا الانقطاع مجرد فقدان معرفي، بل فقدان توجه يتعامل مع النفس كمجالًا للبحث العلمي، لا منطقة ملحقة بالدين أو الأخلاق أو الأعراف.
وما يزيد هذه القصة مأساوية أن كثيرًا مما نعده اليوم طليعة التقدم الطبي و"اكتشافات حديثة" في الغرب، من فهم العلاقة بين الانفعال والجسد، إلى العلاجات القائمة على الاسترخاء والتأمل والموسيقى وتنظيم الأفكار، كان جزءًا من الممارسة الطبية الإسلامية قبل قرون، قبل أن يصبح مع مرور الزمن غريبًا عن الثقافة التي ابتكرته. تحولت تقنيات كانت تُطبّق داخل البيمارستانات إلى مفاهيم جديدة بشعارات إنجليزية لامعة مثل Mindfulness Cognitive therapy ، بينما اتُّهم الاضطراب النفسي في الشرق بالبدعة أو الضعف أو قلة الإيمان. هكذا انقلبت الريادة إلى تخلف، وصارت أدوات التعافي التي وُلدت هنا، تُستورد من الخارج بعد أن نسيها أهلها وطورها الغرب.
وعندما استيقظ العالم لاحقًا على ما سماه بعض المؤرخين "ولادة علم النفس الحديث" في أوروبا، لم يكن ذلك خلقًا من عدم، بل إعادة اكتشاف لمسار انقطع أكثر مما نُقض، وبداية فصل جديد نُسب إلى غير مؤسسيه الأوائل.
فرويد ونشأة مدرسة التحليل النفسي
ظهر سيغموند فرويد في أوروبا في مطلع القرن العشرين، بدا وكأن العالم يكتشف النفس لأول مرة. قدَّم فرويد نظرية متماسكة حول اللاوعي والدوافع المكبوتة، وأسس مدرسة التحليل النفسي التي أعادت للنفس مكانتها في العلوم الإنسانية بعد قرون من التهميش. لكن ما بدا ولادة حديثة لعلم مستقل، كان في جوهره بعثًا لمسارٍ انقطع أكثر مما بدأ؛ إذ أعادت أفكار فرويد تنظيم ما غاب عن الذاكرة العلمية، دون أن تشير إلى الإرث الطويل الذي مهد لهذا الطريق في حضارات أخرى. ومع أن منهجه ركز على الصراع الداخلي والرغبات اللاواعية أكثر من اهتمامه بالبُنى الحياتية والسلوكية، فإنه أعاد فتح الباب أمام التعامل مع النفس بوصفها مجالًا مشروعًا للبحث العلمي، لا مجرد وعاء أخلاقي أو ديني أو اجتماعي.
كان تأثير فرويد كبيرًا لدرجة أن كثيرين ظنوا أن العلاج النفسي وُلد معه. غير أن الفرق الحاسم بين فرويد والمعالجين المنسيين، أولًا اختلاف الحقبة الزمنية، ثانيًا أن أوروبا امتلكت منظومة بحثية ومؤسسات تعليمية حافظت على ما أنتجه فرويد وطورته لاحقًا مدارس متعددة، بينما فقد العالم الإسلامي بنيته العلمية التي تحفظ ما ينتجه وتراكم عليه. هكذا لم يكن إنجاز فرويد مجرد تأسيس لمدرسة جديدة، بل تأسيس لبيئة قادرة على تحويل الأفكار إلى معرفة متوارثة، وهو ما جعل التحليل النفسي نقطة تحوّل لا لحظة نشأة.
تاريخ العلاج النفسي: لمن يرجع الفضل؟
واعترافًا بإسهامات فرويد التي لا يمكن إنكارها، وإنصافًا للعلماء المسلمين الذين سبقوه بقرون، فإن تاريخ العلاج النفسي لا يبدو قصة اختراعٍ غربي ولا تراثًا شرقيًا جرى نسيانه، بل مسارًا إنسانيًا تشكّل حيث وُجد الإنسان، وتطور كلما توفرت له بيئة تحفظ الفكرة وتمنحها امتدادًا.
لقد وضع البلخي الأحجار الأولى لفهم الأفكار والانفعالات، وشيد الرازي فضاءً علاجيًا يعترف بالنفس ويوثق معاناتها، ووسع ابن سينا حدود الطب ليشمل الجسد والروح معًا. هؤلاء لم يكونوا "مقدمة" لفرويد، بل جزءًا من القصة نفسها؛ حتى وإن كانوا فصلًا قد غاب عن الذاكرة هذه الأيام، لكنهم لم يغيبوا عن التاريخ.
واليوم، بينما يعود العالم إلى مفاهيم التأمل، وتنظيم الأفكار، والعلاقة بين الجسد والعاطفة، يكشف الحاضر ما أدركه أولئك منذ قرون: أن النفس ليست لغزًا يُخشى الاقتراب منه، ولا هامشًا يُترك للصدفة، بل مركزًا لفهم الإنسان نفسه. وما بين البيمارستانات الأولى والعيادات الحديثة، تمتد خيوط الحكاية ذاتها: إنسانٌ يحاول أن يخفف ألمه، وأن يجد معنى لوجوده، وأن يفهم ما يجري في داخله قبل أن يحاكم العالم من حوله.
ولعل أجمل ما في هذه القصة أن بعض أبطالها الحقيقيين كانوا هنا، ثم مضوا، ولم يبق من أثرهم إلا فكرة، قاومت الزمن، وبقيت تبحث عمن يعيد لها صوتها.
المصادر:
Browne, E. G. (1921). Arabian Medicine. Cambridge University Press.
Dols, Michael W. (1992). Majnun: The Madman in Medieval Islamic Society. Oxford University Press.
بدري، مالك. (2013). التفكر: من المشاهدة إلى الشهود، دراسة نفسية اسلامية. المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
البلخي، أبو زيد، أحمد بن سهل. (القرن التاسع الميلادي). مصالح الأبدان والأنفس. (تحقيق د. محمود مصري)
الرازي، أبو بكر محمد بن زكريا. الطب الروحاني (تحقيق: بول كراوس). بيروت: دار الآفاق الجديدة
ابن سينا، الحسين بن عبد الله. القانون في الطب (تحقيق: محمد أمين الضناوي). بيروت: دار الكتب العلمية


