العمل مع مدير مؤذٍ: كيف تحمي نفسك في بيئة عمل غير آمنة نفسيًا حتى تجد مخرجًا آمنًا؟
عندما لا يتوقّف أثر الإدارة المؤذية عند حدود العمل، يبدأ في التسلّل إلى الحياة اليومية والعلاقات والصورة التي نكوّنها عن أنفسنا. في هذا المقال، نتناول كيف يمتد هذا الأذى خارج المكتب، ونستعرض أدوات نفسية عملية لحماية الذات حين لا يكون الرحيل خيارًا فوريًا، من دون تطبيع الأذى أو التقليل من أثره.

في المقال السابق، حاولنا فهم كيف تُنتج بعض أنماط الإدارة المؤذية شعورًا دائمًا بالشك في الذات، ولماذا لا يكون الأذى دائمًا مسألة "تحمّل شخصي" أو "ضعف فردي". في هذا المقال، نناقش ما يحدث عندما يتجاوز أثر الإدارة المؤذية حدود العمل ويمتد إلى ما بعدها، ونتوقّف عند هذا الأثر، كما نشارك أدوات نفسية تساعد على حماية الذات إلى حين تعديل الوضع أو الرحيل، إذا لم يكن هناك مفر.
الأثر الممتد: عندما يدخل المدير معك إلى البيت
أخطر ما في التعامل مع مدير مؤذٍ هو ما يُعرف في علم النفس بـ"أثر الامتداد – Spillover Effect"، ففي مرحلة ما، ربما لا يتوقف الأذى الذي تتعرض له عند باب المكتب، ولا يختفي بمجرد انتهاء الدوام.
تعود إلى المنزل محمّلًا بتوتر وغضب مكبوت، لم يكن من الآمن التعبير عنه في العمل. هذا الضغط غير المُفرَّغ يبحث عن مخرج، وغالبًا ما يظهر في مساحات يُفترض أن تكون أكثر أمانًا. والنتيجة قد تكون واحدة أو أكثر من الآتي:
١. تفريغ الغضب في المحيط القريب: قد تجد نفسك أكثر حدّة مع أسرتك أو معارفك، على أسباب بسيطة لا تستحق هذا الانفعال، فيما يُعرف نفسيًا بإزاحة المشاعر (Emotional Displacement)، وهي آلية دفاعية يُنقل فيها الغضب من مصدره الحقيقي إلى مساحة أخرى يشعر فيها الشخص بأمان أكبر للتعبير.
٢. الانسحاب الاجتماعي: مع استنزاف الطاقة النفسية، تصبح العلاقات عبئًا إضافيًا، فيميل الشخص إلى العزلة، لا رغبة فيها، بل لأن طاقته أصبحت محدودة ولا تسمح بالمزيد.
٣. جلد الذات وتآكل الثقة بالنفس: مع استمرار التقليل في العمل، يبدأ الأثر في التسلّل إلى صورة الشخص عن نفسه خارج المكتب. قد تتآكل ثقته بذاته كأب، أو كشريك، أو كصديق، ليس لقصور حقيقي، بل لأن الشعور بالهوان المهني يمتد ليصبغ باقي الأدوار الحياتية.
كيف تحمي نفسك من المدير المؤذي؟
ندرك أن الاستقالة الفورية ليست خيارًا متاحًا للجميع. فالالتزامات المالية، وندرة الفرص، أو حتى الارتباط ببيئة العمل نفسها، قد تجعل البقاء ضرورة مؤقتة لا اختيارًا حرًا. في هذه الحالات، لا يكون الهدف هو التعايش مع الأذى أو تطبيعه، بل تقليل أثره النفسي إلى أن تتاح فرصة أكثر أمانًا.
مع التنبيه إلى أن بعض التجاوزات الجسيمة، مثل الإهانة أو التهديد أو أي انتهاك للكرامة، لا يُنصح بالتعايش معها، وتكون فيها المغادرة وطلب الدعم خطوة ضرورية. وفي الحالات التي يكون فيها البقاء مؤقتًا ضرورة، لا خيارًا، قد تساعدك الاستراتيجيات التالية على تقليل الأثر النفسي للتجربة:
1- طريقة "الصخرة الرمادية – Grey Rock Method": استراتيجية نفسية شائعة الاستخدام في التعامل مع الشخصيات المتسلطة أو الساعية للسيطرة العاطفية. الفكرة الأساسية هي تقليل التفاعل العاطفي إلى الحد الأدنى، بحيث لا يجد الطرف الآخر ما يُغذّي سلوكه. عن طريق:
- تجنّب الدفاع المفرط عن النفس أو الدخول في جدال عاطفي.
- التزم بإجابات قصيرة، واضحة، ومهنية قدر الإمكان مثل: "حاضر"، "سأقوم بذلك".
- مع غياب ردّ الفعل العاطفي، يقل الدافع للاستفزاز أو التصعيد، لأن السلوك لم يعد يحقق هدفه.
٢. التوثيق كوسيلة حماية: في بيئة تفتقر إلى الأمان النفسي، الاعتماد على الذاكرة وحده قد يكون مرهقًا ومُربكًا. احرص على توثيق التوجيهات، المهام، التعديلات، والإنجازات عبر البريد الإلكتروني أو أدوات العمل الرسمية.
هذا لا يحميك مهنيًا فحسب، بل يحميك نفسيًا أيضًا، خصوصًا من التشكيك في إدراكك للأحداث أو ما يُعرف بإرباك الواقع (Gaslighting).
٣. الفصل بين الذات والأداء: رأي المدير في عملك يظل رأيًا في مهمة أو نتيجة، وليس حكمًا على قيمتك كإنسان. التذكير المستمر بهذه المسافة النفسية مهم، خاصة في البيئات المؤذية، حتى لا يتحوّل النقد المهني إلى هجوم داخلي على الذات.
من منظور نفسي، تقييم الأداء الوظيفي لا يُفترض أن يُدمج مع تقدير الذات أو القيمة الإنسانية. فالشخص ليس وظيفته، وما يُقال عن عمله لا يختصر كفاءته ولا إنسانيته.
٤. لا تواجه التجربة وحدك: العزلة تُضاعف الأثر النفسي للأذى. وجود علاقات مهنية داعمة داخل الفريق، أو حتى شخص واحد يمكن الحديث معه بصدق، يعمل كوسادة نفسية تمتص جزءًا من الضغط.
المشاركة مع زميل يمر بتجربة مشابهة تمنحك ما يُعرف نفسيًا بـ"المصادقة الواقعية" (Validation)، وتذكّرك بأن ما تعيشه ليس وهمًا فرديًا، بل تجربة مشتركة ناتجة عن سياق غير صحي.
هذه الاستراتيجيات ليست حلولًا دائمة، ولا بديلًا عن بيئة عمل صحية، لكنها أدوات حماية مؤقتة تساعدك على تقليل الاستنزاف النفسي إلى أن تتاح فرصة أكثر أمانًا. وجودك في هذا الوضع لا يعني ضعفًا، ومحاولتك حماية نفسك ليست فشلًا، بل وعيًا وحدودًا.
ما تذكرك به صفاء:
العمل لا ينبغي أن يكون ساحة لإثبات القيمة الإنسانية، ولا اختبارًا دائمًا للصلابة النفسية. وفي أي تجربة مهنية، تبقى الصحة النفسية حدًا أساسيًا لا يصح تجاوزه، مهما كانت المبررات.
وجود مدير مؤذٍ لا يعكس قيمة من يعملون معه، بل يكشف خللًا في نمط الإدارة نفسه. والتجارب المهنية، حتى القاسية منها، لا تختصر قدرات الإنسان ولا تُلغي ما راكمه من خبرة أو وعي أو اجتهاد.
حماية الصحة النفسية في بيئة العمل ليست رفاهية، بل حق أساسي. والسعي إلى بيئة أكثر أمانًا لا يُعد فشلًا ولا تسرّعًا، بل اختيارًا واعيًا لمسار مهني وإنساني أكثر اتزانًا.
ومع ذلك، يجدر التنبيه إلى أن أثر البيئات المهنية المؤذية لا يكون واحدًا لدى الجميع؛ إذ تختلف الاستجابات النفسية من شخص لآخر تبعًا لتجاربه السابقة، ومستوى الدعم الاجتماعي المتاح له، وقدرته الفردية على التكيّف مع الضغوط.
وفي الحالات التي يصبح فيها البقاء ضرورة مؤقتة، يظل الحفاظ على الصحة النفسية والحدود الشخصية أولوية لا تقل أهمية عن أي إنجاز مهني.
القيمة الإنسانية لا تُقاس بتقييم إداري، ولا تُختزل في دور وظيفي، ولا يحق لبيئة غير صحية أن تعيد تعريفها.
نتمنى لك مسارًا مهنيًا أكثر أمانًا… ونفسًا أكثر طمأنينة.


