في تجربة علمية شهيرة نُشرت في مجلة ساينس (Science)، خُيِّر عدد من المشاركين بين خيارين لا ثالث لهما: إما الجلوس في غرفة فارغة بصمت تام لمدة ١٥ دقيقة، أو تلقي "صعقة كهربائية خفيفة" لكسر هذا الصمت.
والمفاجأة... كانت النتيجة: ٦٧% من الرجال و٢٥% من النساء فَضَّلوا أن يُصعَقوا بالكهرباء بدلًا من البقاء مع أفكارهم بمفردهم.تكشف هذه الدراسة جانبًا مقلقًا من طبيعة الإنسان في العصر الحديث: نحن نهرب من الملل وكأنه عدو، ونبحث عن أي محفز خارجي، مهما كان بسيطًا أو حتى مؤلمًا، لنشغل به أنفسنا، ونتجنب الجلوس مع دوّامات أفكارنا بمفردنا.
لم يتفق العلماء على تعريف واحد للملل، ولكن أغلب التعريفات النفسية تدور حول حالة من التوتر الداخلي تنشأ عندما يرغب الإنسان في الانخراط في نشاط ذي معنى (Meaningful Engagement)، لكن يجد نفسه عاجزًا أو غير قادر على فعل ذلك في اللحظة الحالية لسبب ما.
يرى العديد من الباحثين أن جذر هذا الشعور يرجع إلى انخفاض التحفيز أو غياب الإحساس بالمعنى فيما نفعله الآن. لذلك يبدو الملل مزعجًا؛ لأنه يكشف فجوة بين ما يتطلع العقل إلى فعله وما يمارسه فعليًا. إنها تلك المسافة الصغيرة التي تخلق شعورًا بعدم الارتياح، وتدفعنا للبحث عن شيء يملأها.
قبل أن نستغرق في الحديث عن الجانب المشرق، من المهم أن نعترف بأن الملل ليس دائمًا تجربة مضيئة أو محايدة. فحين يصبح مستمرًا وممتدًا، قد يتحول إلى عبء نفسي حقيقي. تشير الأبحاث إلى أن الملل المزمن (Chronic Boredom) يرتبط بعدد من المخاطر، من بينها:
قد يبدو الأمر متناقضًا، لكن الملل ليس دائمًا شعورًا يجب التخلص منه. ففي كثير من الأحيان، كان هو البوابة الأولى للفضول والابتكار. تشير بعض النظريات إلى أن إحساس الإنسان البدائي بالملل كان بمثابة دافع بيولوجي يدفعه إلى الاستكشاف، والبحث عن حلول جديدة، وصناعة أدوات تحسن فرص بقائه بدلًا من الاستسلام للركود.
لا يقتصر الأمر على التاريخ القديم. ففي العصر الحديث، تُروى كثيرًا قصة أينشتاين خلال عمله في وظيفة روتينية داخل مكتب براءات الاختراع في سويسرا. كانت الرتابة اليومية تمنحه فترات من الشرود والتأمل، يُقال إنها لعبت دورًا في توليد بعض أفكاره الكبرى. سواء صحت الرواية أم لا، فهي تعكس فكرة مهمة:
أن الفراغ الذهني أحيانًا هو البيئة التي تتشكل فيها البصيرة والأفكار العميقة.
الملل والدماغ: ماذا يحدث علميًا؟
تشير دراسات حديثة إلى أن فترات الملل القصيرة (Transient Boredom) قد تعمل كمساحة ذهنية ضرورية لإعادة تنظيم النشاط العقلي.
فخلال لحظات الفراغ الفكري، يحدث أمران مهمان:
عندما يتوقف العقل عن متابعة مهمة محددة، تنشط هذه الشبكة العصبية ليبدأ المخ في "ربط النقاط"، أو الربط بين الأفكار المتباعدة، واستدعاء الخبرات السابقة، وبناء وصلات جديدة. هذا النشاط يُعد أحد أهم الأسس العصبية لظهور الأفكار الإبداعية والرؤى العميقة وتنمية مهارات حل المشكلات (Problem Solving Skills).
يتقاطع هذا المفهوم مع ممارسات علاجية معروفة في علم النفس تهدف إلى تعزيز التنظيم الانفعالي وتخفيف التوتر، ومن بينها مهارات تنظيم المشاعر (Emotional Regulation). والفكرة ليست في الوصول إلى فراغ كامل، بل في إتاحة مساحة هادئة تسمح للعقل بأن يتنفس دون مطالب أو ضجيج.
ويمكن تجربة ذلك بعدة طرق:
لا تنظر إلى الملل بوصفه عدوًا يجب التخلص منه، بل انظر له باعتباره "مساحة بيضاء" تساعدك على رؤية ما يغيب وسط انشغالات اليوم.قد يفيدك أن تمنح نفسك لحظات قصيرة من الهدوء، حتى لو حملت قدرًا من الملل. فبرغم ثقله، قد يكون هو الاستراحة التي يحتاجها عقلك ليبتعد قليلًا عن ضجيج العالم.
ومن يدري؟ ربما في لحظة صمت عابرة تتولد فكرة جديدة، أو يظهر قدر من السكينة كنت تبحث عنه منذ زمن.
في صفاء، نرافقك في رحلتك نحو هذا التوازن؛ توازن يجمع بين الإنجاز والراحة، وبين الحركة والهدوء، لتعيش حياة أقرب للمعنى والصفاء.
ترقبوا كل ما نعمل عليه ليكون هذا الدعم أقرب وأسهل وأعمق.
فريق صفاء