الملل: نهرب منه.. وقد يصنع عبقريتنا

في تجربة علمية شهيرة نُشرت في مجلة ساينس (Science)، خُيِّر عدد من المشاركين بين خيارين لا ثالث لهما: إما الجلوس في غرفة فارغة بصمت تام لمدة ١٥ دقيقة، أو تلقي "صعقة كهربائية خفيفة" لكسر هذا الصمت. والمفاجأة... كانت النتيجة: ٦٧% من الرجال و٢٥% من النساء فَضَّلوا أن يُصعَقوا بالكهرباء بدلًا من البقاء مع أفكارهم بمفردهم.تكشف هذه الدراسة جانبًا مقلقًا من طبيعة الإنسان في العصر الحديث: نحن نهرب من الملل وكأنه عدو، ونبحث عن أي محفز خارجي، مهما كان بسيطًا أو حتى مؤلمًا، لنشغل به أنفسنا، ونتجنب الجلوس مع دوّامات أفكارنا بمفردنا.

5 دقائق قراءة
الملل: سلاح ذو حدين

في تجربة علمية شهيرة نُشرت في مجلة ساينس (Science)، خُيِّر عدد من المشاركين بين خيارين لا ثالث لهما: إما الجلوس في غرفة فارغة بصمت تام لمدة ١٥ دقيقة، أو تلقي "صعقة كهربائية خفيفة" لكسر هذا الصمت.

والمفاجأة... كانت النتيجة: ٦٧% من الرجال و٢٥% من النساء فَضَّلوا أن يُصعَقوا بالكهرباء بدلًا من البقاء مع أفكارهم بمفردهم.تكشف هذه الدراسة جانبًا مقلقًا من طبيعة الإنسان في العصر الحديث: نحن نهرب من الملل وكأنه عدو، ونبحث عن أي محفز خارجي، مهما كان بسيطًا أو حتى مؤلمًا، لنشغل به أنفسنا، ونتجنب الجلوس مع دوّامات أفكارنا بمفردنا.

فهل الملل مشكلة، أم أنه ببساطة فرصة مهملة تنتظر أن نفهمها؟

١. أكثر من مجرد فراغ: ما هو الملل علميًا؟

لم يتفق العلماء على تعريف واحد للملل، ولكن أغلب التعريفات النفسية تدور حول حالة من التوتر الداخلي تنشأ عندما يرغب الإنسان في الانخراط في نشاط ذي معنى (Meaningful Engagement)، لكن يجد نفسه عاجزًا أو غير قادر على فعل ذلك في اللحظة الحالية لسبب ما.

يرى العديد من الباحثين أن جذر هذا الشعور يرجع إلى انخفاض التحفيز أو غياب الإحساس بالمعنى فيما نفعله الآن. لذلك يبدو الملل مزعجًا؛ لأنه يكشف فجوة بين ما يتطلع العقل إلى فعله وما يمارسه فعليًا. إنها تلك المسافة الصغيرة التي تخلق شعورًا بعدم الارتياح، وتدفعنا للبحث عن شيء يملأها.

٢. الوجه المظلم: متى يكون الملل خطرًا؟

قبل أن نستغرق في الحديث عن الجانب المشرق، من المهم أن نعترف بأن الملل ليس دائمًا تجربة مضيئة أو محايدة. فحين يصبح مستمرًا وممتدًا، قد يتحول إلى عبء نفسي حقيقي. تشير الأبحاث إلى أن الملل المزمن (Chronic Boredom) يرتبط بعدد من المخاطر، من بينها:

  • الاضطرابات النفسية: إذ تظهر دراسات متعددة علاقة بين الملل المستمر وارتفاع احتمالات الإصابة بالاكتئاب واضطرابات القلق، خاصة عندما يشعر الفرد بأن وقته يمر بلا معنى أو هدف.
  • السلوكيات الإدمانية: قد يدفع الهروب من الملل بعض الأشخاص إلى الإفراط في استهلاك التكنولوجيا أو البحث عن محفزات فورية تمنح "دوبامينًا سريعًا" (Dopamine Rush)، ما يزيد من احتمالية تكوّن عادات قهرية أو إدمانية.
  • الاندفاعية والسلوكيات الخطرة: في حالات الملل الشديد، يرتفع الميل إلى التجربة أو المغامرة فقط لكسر الجمود، حتى ولو تضمن ذلك سلوكيات قد تؤذى الشخص أو تعرضه للخطر.

٣. الوجه المشرق: "شرارة الإبداع" التي نسيناها

قد يبدو الأمر متناقضًا، لكن الملل ليس دائمًا شعورًا يجب التخلص منه. ففي كثير من الأحيان، كان هو البوابة الأولى للفضول والابتكار. تشير بعض النظريات إلى أن إحساس الإنسان البدائي بالملل كان بمثابة دافع بيولوجي يدفعه إلى الاستكشاف، والبحث عن حلول جديدة، وصناعة أدوات تحسن فرص بقائه بدلًا من الاستسلام للركود.

لا يقتصر الأمر على التاريخ القديم. ففي العصر الحديث، تُروى كثيرًا قصة أينشتاين خلال عمله في وظيفة روتينية داخل مكتب براءات الاختراع في سويسرا. كانت الرتابة اليومية تمنحه فترات من الشرود والتأمل، يُقال إنها لعبت دورًا في توليد بعض أفكاره الكبرى. سواء صحت الرواية أم لا، فهي تعكس فكرة مهمة:

أن الفراغ الذهني أحيانًا هو البيئة التي تتشكل فيها البصيرة والأفكار العميقة.

الملل والدماغ: ماذا يحدث علميًا؟

تشير دراسات حديثة إلى أن فترات الملل القصيرة (Transient Boredom) قد تعمل كمساحة ذهنية ضرورية لإعادة تنظيم النشاط العقلي.

فخلال لحظات الفراغ الفكري، يحدث أمران مهمان:

  1. تفعيل شبكة الوضع الافتراضي (Default Mode Network – DMN):

عندما يتوقف العقل عن متابعة مهمة محددة، تنشط هذه الشبكة العصبية ليبدأ المخ في "ربط النقاط"، أو الربط بين الأفكار المتباعدة، واستدعاء الخبرات السابقة، وبناء وصلات جديدة. هذا النشاط يُعد أحد أهم الأسس العصبية لظهور الأفكار الإبداعية والرؤى العميقة وتنمية مهارات حل المشكلات (Problem Solving Skills).

  1. استعادة التوازن الذاتي العصبي: في عالم تتنافس فيه المحفزات الرقمية على انتباهنا طوال الوقت، يوفر الملل القصير فرصة نادرة للمخ كي يهدأ ويعيد ضبط إيقاعه الداخلي. يقل مستوى التحفيز الزائد (Overstimulation)، ويستعيد الجهاز العصبي قدرته على التنظيم الذاتي، مما ينعكس إيجابيًا على التركيز، والصحة النفسية، والإحساس بالصفاء.

٤. كيف نمارس "الملل الصحي"؟

يتقاطع هذا المفهوم مع ممارسات علاجية معروفة في علم النفس تهدف إلى تعزيز التنظيم الانفعالي وتخفيف التوتر، ومن بينها مهارات تنظيم المشاعر (Emotional Regulation). والفكرة ليست في الوصول إلى فراغ كامل، بل في إتاحة مساحة هادئة تسمح للعقل بأن يتنفس دون مطالب أو ضجيج.

ويمكن تجربة ذلك بعدة طرق:

  • مارس أنشطة بسيطة ورتيبة: مثل التلوين، المشي بدون سماعات، أو القيام بمهام منزلية خفيفة. هذه الأنشطة لا تتطلب جهدًا ذهنيًا كبيرًا، مما يُتيح للعقل مساحة للشرود الهادئ والتفكير المرن، وليس بالضرورة حالة "تدفق" كاملة.
  • تقليل المحفزات الخارجية: كسر الاعتماد المستمر على الإشباع اللحظي من الأجهزة الذكية يساعد كثيرًا. قد تفيدك تجربة الانتظار في عيادة الطبيب أو السيارة دون تصفح الهاتف، فقط لترك مساحة صغيرة للصمت.
  • ممارسات التأمل واليقظة: الجلوس بهدوء وملاحظة الأفكار دون مقاومة أو اندفاع خلفها يساعد على بناء مرونة نفسية وتخفيف التوتر، خصوصًا لدى من يجدون صعوبة في التوقف أو الاسترخاء.

ما تُذكرك به صفاء

لا تنظر إلى الملل بوصفه عدوًا يجب التخلص منه، بل انظر له باعتباره "مساحة بيضاء" تساعدك على رؤية ما يغيب وسط انشغالات اليوم.قد يفيدك أن تمنح نفسك لحظات قصيرة من الهدوء، حتى لو حملت قدرًا من الملل. فبرغم ثقله، قد يكون هو الاستراحة التي يحتاجها عقلك ليبتعد قليلًا عن ضجيج العالم.

ومن يدري؟ ربما في لحظة صمت عابرة تتولد فكرة جديدة، أو يظهر قدر من السكينة كنت تبحث عنه منذ زمن.

في صفاء، نرافقك في رحلتك نحو هذا التوازن؛ توازن يجمع بين الإنجاز والراحة، وبين الحركة والهدوء، لتعيش حياة أقرب للمعنى والصفاء.

ترقبوا كل ما نعمل عليه ليكون هذا الدعم أقرب وأسهل وأعمق.

المزيد

يمكن تعجبك بعد

اضطراب كرب ما بعد الصدمة: حين تبقى الذكرى حَيَّة

اضطراب كرب ما بعد الصدمة: حين تبقى الذكرى حَيَّة

قد تعود ذكرى مؤلمة عبر رائحة، أو صوت، أو موقف عابر، فتستيقظ مشاعر الخوف والألم كأنها تحدث الآن. يُفسر ذلك باضطراب كرب ما بعد الصدمة الذي يُبقي الذكريات حيَّة مهما طال الأمد. في هذا المقال، نتأمل كيف تعمل الصدمة، ولماذا تختلف استجاباتنا لها، وكيف يمكن للفهم والرفق والدعم أن يكونوا بداية لمسار التعافي.

صحة نفسيةمن١٢ نوفمبر ٢٠٢٥
تأثير بقعة الضوء: خدعة العقل التي تجعلك تشعر أن الجميع يراقبك

تأثير بقعة الضوء: خدعة العقل التي تجعلك تشعر أن الجميع يراقبك

هل مررتَ بموقف بسيط، ثم شعرت بعدها أن الأنظار كلها اتجهت إليك؟ أن تعيد التفكير في كلمة قلتها، أو حركة فعلتها، وتتساءل إن كان الآخرون قد لاحظوها أكثر مما ينبغي؟ هذه التجربة شائعة أكثر مما نتصور، ويفسرها علم النفس بـ“تأثير بقعة الضوء”. في هذا المقال، نتعرف أكثر على بقعة الضوء، ونتأمل كيف يميل عقلنا أحيانًا إلى تضخيم حضورنا في وعي الآخرين.

من١٥ ديسمبر ٢٠٢٥
الكمالية: لماذا لا نشعر بالرضا أبدًا مهما أنجزنا

الكمالية: لماذا لا نشعر بالرضا أبدًا مهما أنجزنا

هل تشعر أن إنجازاتك لا تكفي أبداً؟ هل تنتظر (اللحظة المثالية) للبدء ولا تأتي؟ احذر قد تكون عالقًا في فخ (الكمالية السلبية). في هذا المقال، نكشف لك الخيط الرفيع بين الطموح الصحي وبين الهوس المرضي بالكمال الذي يهدد نجاحك، ونقدم لك خطوات عملية للتحرر من تلك المعايير العنيدة التي تحبسك داخل دائرة مفرغة من اللاشيء.

من١٢ نوفمبر ٢٠٢٥