خلال الشهر الماضي، تصدّرت عناوين حول الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران المشهد، ولم تبقَ محصورة في نشرات الأخبار فقط، بل امتدت إلى تفاصيل يومنا. أصبحت الأخبار جزءًا من روتيننا اليومي، نحملها معنا بين التنبيهات، ووسائل التواصل، وحتى في أحاديثنا داخل بيوتنا وفي مقابلاتنا الاجتماعية.
ومع تزايد حضور الأخبار في تفاصيل حياتنا اليومية، لا نعود مجرد متابعين، بل نصبح محاطين بسيل متدفق من المعلومات التي كثيرًا ما تحفّز مشاعر القلق والخوف. المشكلة بالنسبة لكثير من الناس ليست في متابعة الأخبار… بل في الغرق فيها بشكل مبالغ فيه.
في هذا المقال، أشارك بعض الأفكار التي قد تساعد على إيجاد نقطة توازن صحية بين متابعة الأخبار والحفاظ على عافيتنا النفسية. لكن قبل ذلك، من المهم أن نفهم: لماذا نندفع أصلًا لملاحقة الأخبار بهذا الشكل؟
قد يشعر كثيرون منا بمسؤولية تجاه متابعة المستجدات أولًا بأول، خاصة عند وقوع أحداث جلل في محيطنا المباشر. أحيانًا، تصبح متابعة الأخبار هي الشيء الوحيد الذي نشعر أنه بمقدورنا القيام به، عندما لا تتاح لنا المساهمة المباشرة بالفعل. ولا شك أن هذا الشعور بالمسؤولية هو شعور إنساني محمود، فنحن جميعًا جزء من هذا العالم، ونتأثر بتقلباته بدرجة أو بأخرى. لذلك، قد تساعدنا المتابعة على تكوين صورة أوضح عن واقعنا ومآلاته.
كيف يؤثر التعرّض الزائد للأخبار على صحتنا النفسية؟
ما يزيد عن حدّه ينقلب ضدّه. فقد أشارت دراسات حديثة إلى أن التعرّض المستمر للمستجدات، خاصة تلك التي تعزّز الشعور بعدم اليقين، قد يؤثر سلبًا على صحتنا النفسية بشكل ملحوظ. وقد تظهر هذه التأثيرات بشكل تدريجي، دون أن ننتبه لها في البداية، مثل:
- الشعور المستمر بالإرهاق.
- اضطرابات في النوم.
- صعوبة في التركيز.
- التردد أو صعوبة اتخاذ القرارات.
- ضعف في تذكر التفاصيل.
- فقدان الدافع للقيام بالأنشطة اليومية.
- سرعة الغضب.
- الشعور بالحزن أو العجز.
- اضطرابات في الجهاز الهضمي.
- آلام جسدية دون سبب عضوي واضح.
من المهم أن ندرك أن الشعور بالتوتر وعدم اليقين في مثل هذه الظروف هو رد فعل إنساني طبيعي. لكن ما نحتاجه هو أن نتعامل مع هذه المشاعر بوعي، بطريقة تحافظ على صحتنا النفسية، وتدعم قدرتنا على التكيّف مع تسارع الأحداث.
نصائح للحفاظ على العافية النفسية وسط تلاحق الأحداث العالمية
ربما تؤثر الأحداث، أول ما تؤثر، على عاداتنا اليومية، حيث نشعر أنه علينا أن نتوقف عما نسميه "الحياة الطبيعية" وتغيير أسلوب حياتنا ليتناسب مع التطورات المحيطة. لكن عادةً لا يكون هناك ما يمكن فعله على المستوى الفردي باستثناء الحفاظ على عافيتنا النفسية قدر الإمكان. لذلك، ينصح المختصون بما يلي:
- حدّد أوقاتًا محددة وقليلة لمتابعة الأخبار، والتزم بها.
- احمِ أوقاتك الحيوية من متابعة الأخبار، مثل بعد الاستيقاظ وقبل النوم.
- اختر مصادر موثوقة، وتجنّب الانجرار وراء الشائعات أو التغطيات المبالغ فيها.
- حافظ على عاداتك اليومية قدر الإمكان، فالثبات يمنح شعورًا بالأمان والاستقرار.
- خصّص وقتًا لنشاطات تهدّئك، مثل القراءة أو الطبخ أو تمارين التنفس.

- التزم بمواعيد نوم واستيقاظ منتظمة، فالنوم الجيد يساعد على تنظيم القلق.
- مارس نشاطًا بدنيًا، ولو بشكل بسيط، للتخفيف من التوتر.
- أحِط نفسك بدائرة دعم موثوقة من الأهل أو الأصدقاء، وشاركهم ما تشعر به.
- اسمح لنفسك بالشعور بالقلق أو التوتر، دون أن تنفصل شعوريًا عن الواقع.
- اطلب دعمًا متخصصًا إذا شعرت أن القلق بدأ يؤثر على حياتك اليومية.
عندما نشعر في الأوقات الطارئة بأن علينا ملاحقة الأخبار بشكل لحظي، فقد تكون هذه محاولة من دماغنا للشعور بشيء من التحكم فيما يحدث. لكن في الحقيقة، هذا الإحساس لا يغيّر مما يحدث حولنا.
ومن هنا، ربما يكون من الرفق بأنفسنا أن ننظّم متابعتنا للمستجدات، وأن نقبل أن الحفاظ على عافيتنا النفسية هو ما نحتاجه أولًا، لأنه ما يعيننا على الاستمرار وسط حالات عدم اليقين.
تذكر:
قد لا يهدأ العالم قريبًا…
لكن هذا لا يعني أن تعيش داخلك نفس الفوضى.
الوعي الحقيقي لا يُقاس بكم ما تتابعه، بل بقدرتك على أن تبقى حاضرًا دون أن تفقد نفسك.
هذه الدنيا تمضي وفق تدبير العزيز الخبير، فاطمئن.

هذا المقال يأتي امتدادًا لحلقة برنامج "ساعة صفاء – مع طارق العصيمي": "عندما يصبح العالم مشتعلًا… كيف تحافظ على سلامك النفسي أثناء متابعة الأخبار؟". اضغط هنا لمشاهدة الحلقة لفهم أعمق للسياق.
طارق العصيمي